محمد بن محمد ابو شهبة

165

المدخل لدراسة القرآن الكريم

يعرفون أبناءهم بل أشد ، ثم جاء بعده الأمر بأداء الأمانات عامة في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) [ النساء : 58 ] . فكانت المناسبة رائعة حقّا ، والاتصال وثيقا ، والانتقال في غاية الحسن والجمال ، إذ أن آية الأمانة عامة في كل أمانة ، وما تقدم كان في أمانة خاصة ، والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول ، وهذه المناسبة تقتضي دخول ما دل عليه الخاص في العام دخولا أوليّا ، فهو كسبب في كونه قطعي الدخول في اللفظ النازل بسببه ولا يجوز خروجه بالإجماع . وقد اعتبر الإمام ابن السبكي هذا النوع مرتبة متوسطة دون السبب وفوق التجرد ؛ أما كونه دون السبب فلأن الأولى ليست سببا في الثانية اصطلاحا وأما كونه فوق التجرد فلهذه المناسبة القوية بين الخاص والعام ودخول الأول في الثاني . ولا يرد على ما ذكرناه تأخر الآية الثانية عن الأولى بنحو ست سنين ؛ لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول لا في المناسبة ؛ لأن المقصود منها وضع الآية في الموضع الذي يناسبها ، والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بوضعها في المواضع التي علم من اللّه أنها مواضعها ، وهذا الكلام الذي قاله ابن السبكي ونقله عنه السيوطي في الإتقان من الحسن بمكان ، وقد نبه إلى هذه المناسبة البديعة بين الآيات الإمام القرطبي في تفسيره « 1 » حيث قال : وجه النظم بما تقدم أنه - تعالى - أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وقولهم إن المشركين أهدى سبيلا ، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات . * * *

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 257 .